لعبة الإطاحة بمراكز القوى فى مصر



السادات أطاح برجال عبدالناصر بعد 7 أشهر من توليه الحكم وأودعهم السجن.. وقال لآمال فهمى: أنت الدليل على أنى رئيس يملك ولا يحكم لكنهما كانا أوفر حظاً فلم يغادرا منصبيهما إلى السجن حتى الآن.

بجرة قلم انتهى كل شىء. خرج المشير حسين طنطاوى والفريق سامى عنان من حلبة الصراع على السلطة فى مصر، انتهى كل ما كان يربطهما بالمؤسسة العسكرية وبدوائر صنع القرار السياسى.. تقاعدا، أو أُقعِدا عن منصبيهما وتحولا لمواطنين عاديين يأكلان الطعام ويمشيان فى الأسواق. ما هكذا كانت تجرى الأمور، قبل صدور قرار الرئيس مرسى بإخراج المشير والفريق من منصبيهما، كان الاثنان شريكين لرئيس الجمهورية فى السلطة الفعلية للبلاد، صحيح أنهما سلما له جزءا منها، لكنهما أبقيَا لنفسيهما على الجزء الأكبر، كانت لهما سلطة التشريع، وسلطة إدارة المؤسسة العسكرية، كانت القوة بين أياديهما، تسعى أمامهما حيث سارا، تتلكأ عن أيمانهما وشمائلهما، ثم ذهبت إلى الأبد.

لم يكونا أول مركز قوى فى مصر أطيح به لصالح قوة أخرى تسعى لأن تأخذ مكانها بثقة، بل لعلهما أوفر مراكز القوى حظاً فى أسلوب الإطاحة بهما، على الأقل لم يخرجا من منصبيهما للسجن، كما فعل الرئيس السادات بمعارضيه فى الواقعة المشهورة بـ«ثورة التصحيح»، ولا وجدا نفسيهما مضرجين فى دمائهما بعد أن فصلت رؤوسهما عن جسديهما، كما فعل محمد على بخصومه فى الموقعة الشهيرة بـ«مذبحة القلعة»، غير أن المحصلة النهائية واحدة، فتتعدد الأسباب والنتيجة واحدة، الخروج من المنصب، وفقدان السلطة، والتحول لمواطنين عاديين يجرى عليهما ما يجرى على كل الناس فى بر مصر.

كان الرئيس الراحل أنور السادات هو أول من صك مصطلح «مراكز القوى» للتعبير عن خصومه من رجال سلفه الرئيس عبدالناصر، زملاء الأمس الذين تحولوا بقدرة قادر إلى أعداء اليوم، منهم وزراء عملوا معه أيام حكم عبدالناصر، ومنهم أعضاء فى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى، ومنهم أعضاء فى التنظيم الطليعى الذى كونه عبدالناصر، بل وأكثر من ذلك كتاب وصحفيون، جميعهم رأى فيهم السادات خصوماً وأعداء يحولون بينه وبين ممارسة صلاحياته الكاملة لرئاسة الجمهورية فكان أن قرر التخلص منهم جميعاً، وكانوا هم من حددوا له ساعة الصفر.

كانت مصر وقتها لا تزال واقعة تحت تأثير صدمة رحيل جمال عبدالناصر، فمن ناحية لم يظهر الرئيس الجديد الذى تم انتخابه فى أعقاب وفاة الزعيم أى كرامات فيما يتعلق بمعركة تحرير سيناء التى كان الجميع ينتظرونها، ومن ناحية أخرى كان الوجود الطاغى للرئيس الراحل يهيمن على كل ما عداه، ساعد فى ذلك استمرار رجاله فى مناصبهم كشركاء للرئيس الجديد، سواء كوزراء أو أعضاء فى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى، وبعد سبعة أشهر من تولى السادات مهام منصبه الجديد اكتشف أن يديه مقيدتان، فلا يستطيع أن يفعل أى شىء إلا بالرجوع للمجموعة القديمة، ولا يتركوا له هم أى فرصة لممارسة صلاحياته كرئيس للجمهورية، أو ما عبّر عنه السادات للمذيعة آمال فهمى بقوله «أنت كنت الدليل القائم على كونى رئيسا يملك ولا يحكم، بقالى سبع شهور باحاول أرجع مذيعة للإذاعة ومش عارف».

الحكاية روتها الإذاعية آمال فهمى من قبل، إذ كانت قد أبعدت عن وظيفتها فى نهاية الستينات عندما انتقدت توصيل الكهرباء لقرية على صبرى نائب رئيس الجمهورية وقتها، مع إهمال توصيلها لقرى أخرى أقرب لقرية النائب، فكان أن تم إيقاف برنامجها الذى تقدمه للإذاعة، وإبعادها عن منصبها. تقول آمال إنها سمعت أن الرئيس عبدالناصر هو من يرفض عودتها، فاتصلت بالسادات الذى كان يشغل وقتها منصب رئيس مجلس الأمة ليتوسط بينها وبين عبدالناصر ففشلت الوساطة، ولما توفى عبدالناصر وتولى السادات، شعرت أن مشكلتها فى طريقها للحل، لكنها وجدت الرئيس الجديد يتهرب من لقائها، ثم فوجئت يوم 14 مايو بخبر عودتها للإذاعة منشوراً فى صدر الصفحات الأولى للصحف، فذهبت للسادات تشكره فقال لها الجملة السابقة.

وبعيداً عن آمال فهمى التى اعتبرها السادات دليلاً على عدم تمكنه من ممارسة صلاحياته، فإنه روى بنفسه قصة الصراع بينه وبين مراكز القوى فى مذكراته التى حملت عنوان «البحث عن الذات»، قائلاً إن الأزمة ظهرت واضحة عندما عارضت المجموعة القديمة المشروع الذى اقترحه هو لقيام وحدة بين مصر وليبيا وسوريا، وقاموا بعرقلة المباحثات، فكان أن اتخذ قراراً بإقالة على صبرى من جميع مناصبه، ثم تطور الوضع إلى حد أنه اكتشف مؤامرة على حياته من خلال تسجيل لمكالمة هاتفية بين المحامى فريد عبدالكريم، والكاتب الصحفى محمود السعدنى كانا يتحدثان فيه عما دار فى آخر اجتماع للجنة المركزية، وهو اجتماع مغلق، ثم تطور الحديث بينهما ليقول أحدهما للآخر إن السادات لو توجه للإذاعة ليلقى خطابه فسوف يتم القبض عليه.

اتخذ السادات من ذلك التسجيل دليلاً على قيام مؤامرة لاغتياله، ولم يكد ينتهى من سماع التسجيل حتى وصلته استقالات كل من رئيس مجلس الأمة، ووزير الحربية، ووزير الإعلام، ووزير شئون رئاسة الجمهورية، وأعضاء من اللجنة المركزية، وأعضاء من اللجنة المركزية العليا، ويقول السادات فى مذكراته، «إن المقصود من هذه الاستقالات أن يحدث انهيار دستورى فى البلاد»، ولكنه قبل استقالاتهم، وأعلنها على الشعب، وحدد إقامتهم فى منازلهم، وشكل وزارة جديدة، ثم حول المجموعة بكاملها إلى المحاكمة لتصدر أحكاماً مختلفة بالسجن عليهم جميعاً، بحد أدنى ثلاثة أعوام، وأقصى بالإعدام، الذى تم تخفيفه إلى المؤبد، وإن كانت المجموعة كلها قد خرجت من السجون قبل أيام قليلة من اغتيال السادات، وبقرارات عفو منه هو شخصياً.

ومن السادات وتجربته فى القضاء على مراكز القوى، إلى محمد على باشا مؤسس الأسرة العلوية التى حكمت مصر قرابة المائة والخمسين عاماً، الذى اتخذ قراراً شبيهاً بقرار السادات للتخلص من خصومه ومعارضيه، ولكن بطريقة أخرى، وهى قتلهم جميعاً فيما عرف بمذبحة القلعة، يروى المؤرخ خالد فهمى فى كتابه «كل رجال الباشا» قصة تخلص محمد على من المماليك فيقول «كان على الباشا قبل أن يقوم بتدريب أية قوات على النمط الجديد الذى كان يفكر فيه أن يدعم وضعه الجديد كسيد لمصر، وتطلب ذلك التخلص من قوة المماليك الذين كانوا فعلياً أمراء البلاد العسكريين لعدة قرون مضت».

«وبعد سنوات من محاولة تهدئتهم قرر الباشا أخيراً بمنطق نفعى مجرد من الاعتبارات الأخلاقية أن يتخلص من نفوذهم بقتل قادتهم، ففى أول مارس عام 1811 أقام الباشا حفلاً رسمياً فى القلعة للاحتفال بتعيين ابنه طوسون باشا قائداً للقوات التى ستحارب المتمردين الوهابيين فى شبه الجزيرة العربية، ووجد الباشا فى هذه المناسبة فرصة ذهبية لتنفيذ خطته القاتلة، فدعا رؤساء كل البيوت المملوكية لحضور الاحتفال، وحين أخذوا فى شق طريقهم لأسفل عبر طريق وعر ضيق يفضى إلى ميدان الرميلة أسفل القلعة أمر جنوده الألبان بإطلاق النار عليهم فقتل من أمراء المماليك فى هذه الحادثة أكثر من أربعمائة وخمسين، بعدها نفذ برنامجا وحشيا لقتل قادة المماليك الذين نجحوا فى الفرار من مذبحة القلعة، فسمح الباشا لقواته الألبانية بدخول بيوت المماليك فى القاهرة فنهبوا ممتلكاتهم، واغتصبوا نساءهم». وهكذا أسدل الستار على القوى التى ظلت تحكم البلاد لأكثر من 600 عام، وحاولت التمسك بسلطاتها، فكان أن انتزعت منهم، وفوقها حياتهم بجرة قلم.

شارك